عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
248
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
بأغراضها ، ولا ذهب أحد مذهبه فيه ، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به . انتهى كلام ابن صاعد . قال ابن خلكان : ولم يزل أبو نصر ببغداد مكباً على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز ، أو قال : برع فيه ، وفاق أهل زمانه . قال : ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه ، وهو بزي الأتراك وكان ذلك دأبه دائماً فوقف ، فقال له سيف الدولة اقعد فقال : حيث أنا أم حيث أنت ؟ فقال حيث أنت ، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة ، وزاحمه فيه ، حتى أخرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدولة مماليك ، ولهم معهم لسان خاص يسارهم به ، قل أن يعرفه أحد ، فقال لهم بذلك اللسان : أن هذا الشيخ قد أساء الأدب ، وإني سائله في أشياء ، إن لم يعرف بها فأحرقوا به . فقال له أبو نصر بذلك اللسان : أيها الأمير ، اصبر ، فإن الأمور بعواقبها ، فتعجب سيف الدولة وقال له : أتحسن بهذا اللسان . فقال : نعم ، أحسن بأكثر من سبعين لساناً ، فعظم عنده ، ثم أخذ يتكلم مع العلماء حاضرين في المجلس في كل فن ، فلم يزل كلامه يعلو ، وكلامهم يسفل ، حتى صمت الكل ، وبقي يتكلم وحده . ثم أخذوا يكتبون ما يقوله ، وصرفهم سيف الدولة ، وخلا به فقال : هل لك أن تأكل ؟ قال : لا ، قال : فهل تشرب ؟ قال : لا ، قال : فهل تسمع ؟ قال : نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان ، فحضر كل من هو من أهل هذه الصناعة بأنواع الملاهي ، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر ، وقال له : أخطأت ، فقال له سيف الدولة : وهل تحسن في هذه الصنعة شيئاً ؟ قال : نعم ، ثم أخرج من وسطه خريطة ، وفتحها ، وأخرج منها عيداناً ، فركبها ، ثم ضرب بها ، فضحك كل من في المجلس ، ثم فكها غير تركيبها ، وضرب بها ، فبكى كل من في المجلس ، ثم فكها وركبها تركيباً آخر ، وضرب بها فنام من في المجلس حتى البواب ، فتركهم نياماً وخرج . ويقال إن الآلة المسماة بالقانون من وضعه ، وهو أول من ركبها هذا التركيب ، وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس ، وكان زاهداً في الدنيا ، لا يحتمل بأمر مكسب ، ولا مكف ، ولم يزده سيف الدولة على أربعة دراهم في كل يوم لقناعته . أربعين وثلاث مائة فيها جمع سيف الدولة جيشاً عظيماً ، ودخل في بلاد الروم ، فغنم وسبى سبياً كثيراً وعاد سالماً . وذلت القرامطة ، فأمن الوقت ، وحج الركب . وفيها توفي ابن الأعرابي المحدث الصوفي القدوة أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد